أحمد عبد الفتاح زواوي
43
شمائل الرسول ( ص )
مفصلا - إن شاء اللّه - تعالى - وسنذكر أولا سبب نزول الآية ، ثم ما في الآية الكريمة من فوائد ، ثم نختم بكيفية تفاعل الصحابة مع الآية . أولا : سبب نزول الآية : ذكر العلماء عدة أسباب لنزول الآية ، تدور كلها في معنى واحد وهو رفع طائفة من الصحابة صوتهم على صوت النبي صلى اللّه عليه وسلّم كالأعراب الذين يتصف الغالب منهم بالجفاء في الحديث والغلظة في المعاملة ، وقد ورد في سبب النزول عن ابن أبي مليكة قال : ( كاد الخيّران أن يهلكا ، أبو بكر وعمر - رضي اللّه عنهما ، رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلى اللّه عليه وسلّم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر برجل اخر فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلّا خلافي . قال : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الآية ، قال ابن الزّبير : فما كان عمر يسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه ) « 1 » . تدبر أخي القارئ فيمن نزلت هذه الآية الكريمة ، لقد نزلت في خير هذه الأمة بعد نبيها صلى اللّه عليه وسلّم أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، في رجلين معلوم فضلهما وسبقهما إلى الإسلام ، فما من أحد أعظم منة على الإسلام وأهله من الصديق ، وما من أحد أعز اللّه به الإسلام أكثر من عمر ، رضي اللّه عنهما ، ومع ذلك لا يستحي الحق - تبارك وتعالى - أن يأدبهما ويرشدهما إلى السلوك القويم الذي ينبغي أن يسلكاه في حضرة النبي صلى اللّه عليه وسلّم فإذا قدّر اللّه - سبحانه وتعالى - أن يتسامح مع أحد في رفع صوته فوق صوت نبيه صلى اللّه عليه وسلّم لتسامح مع أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، وحسبهما قربهما من النبي صلى اللّه عليه وسلّم وحبه لهما ، فكيف نتصور أن يتسامح اللّه عزّ وجلّ لمن هو دونهما في الفضل والسبق ، إذا لم يتأدب مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم ؟ ! واسمع لما يقول ابن أبي مليكة : ( كاد الخيران أن يهلكا ) . فلم يشفع لهما مكانتهما أن يهلكا إذا لم يلزما الأدب في حضرة النبي صلى اللّه عليه وسلّم . ثانيا : بعض فوائد الآية : الفائدة الأولى : تحريم رفع الصوت في حضرة النبي صلى اللّه عليه وسلّم بحيث يعلو صوت المتكلم صوته صلى اللّه عليه وسلّم قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : ( معنى الآية الأمر بتعظيم النبي صلى اللّه عليه وسلّم وتوقيره وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته ، أي إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم
--> ( 1 ) البخاري ، كتاب : تفسير القران ، باب : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ، برقم ( 4845 ) .